الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

« الماء » ولذا لا ينقلب العصير خمرا بعد الثلثين . وأمّا الثاني ، أي الغليان بالنار فانّه لا يوجب أي تغيير كيمياوي ، وقد ذكرنا في محلّه من كتاب الطهارة إنّه لا يوجب إلّا الحرمة لا النجاسة . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم بيعه ، سواء قلنا بحرمته أو بنجاسته أيضا ، وقلّما تعرّض له الأكابر كما اعترف به بعض المحقّقين فالمسألة غير محرّرة في كلمات القدماء ، وذكر العلّامة الأنصاري قدّس سرّه إنّه لم يخالف فيه صريحا إلّا في مفتاح الكرامة « 1 » « 2 » . وحاصل ما استدلّ به لحرمة بيعها بعد الغليان أمور : أوّلها : نجاستها وقد عرفت غير مرّة أنّ مجرّد النجاسة ( على القول به هنا ) لا يوجب فساد البيع إذا كانت له منافع محلّلة أخرى كما في المقام وهو ذهاب ثلثيه ثمّ شربه . ثانيها : حرمتها وعدم ماليتها شرعا ، فلا يجوز بذل المال بإزائها ، وفيه إنّها مال معيوب كما صرّح به شيخنا الأعظم الأنصاري قدّس سرّه « 3 » ويظهر من غيره . ولذا لا يضمن من غلاه إلّا أرش العيب ، بل قد لا يكون هذا عيبا بل حسنا إذا ذهب مقدار من مائه وقربت الطهارة فلا أرش ، وإن فعل حراما للتصرّف في مال غيره بغير إذنه ، وقياسه على الخمر المغصوبة القابلة للتخليل قياس مع الفارق ، وإن ذكره في جامع المقاصد « 4 » . وعلى كلّ حال فهذا دليل على الصحّة ، لأنّ المالية والمنفعة المعتدّة بها ثابتة فيها فيصحّ بيعه . ثالثها : روايات عديدة منها : 1 - ما رواه أبو كهمس قال : سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العصير ، لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة ، وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي ، قال عليه السّلام : « لا بأس به ، وإن غلا فلا يحلّ بيعه » ثمّ قال : « هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمرا » « 5 » .

--> ( 1 ) . المكاسب ، ص 8 ، المسألة 3 . ( 2 ) . مفتاح الكرامة ، ج 4 ، ص 18 . ( 3 ) . المكاسب ، ص 8 ، المسألة 3 . ( 4 ) . جامع المقاصد ، نقلا عن المكاسب ، ص 8 ، المسألة 3 . ( 5 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 169 ، الباب 59 ، من أبواب ما يكتسب به ، ح 6 .